تقدم قصة حياة الكاتبة نهى زعرب- قعوار، ابنة مدينة الناصرة، أنموذجا مختلفا لقصة حياة شاعرة وكاتبة عربية فلسطينية عاشت وما زالت تعيش في البلاد، هذه القصة، رغم أنها تدور حول إحدى بنات العائلات الموسرات، حفلت بالمرارة والعطاء، كما أكدت صاحبتها في أكثر من مقطع من مقاطع المقابلة معها، في بيتها الفاخر القائم قرب جبل القفزة في الناصرة. الشاعرة نهى من مواليد الناصرة، تقول باعتزاز إنها ولدت بتاريخ 18-3-1936، اسألها من أين يأتيها هذا الاعتزاز، ترد مرفقة ردها بابتسامة حافلة بالود، من ثقتي بنفسي ومن كون هذه هي الحقيقة. يهم نهى أن تقول الحقيقة، ومع أن قولها لها خسـّرها أحيانا، إلا أنها ترى أن طريق الحق أبقى.
|
الكاتبة نهى زعرب- قعوار |
ميلاد نهى كان في بيت ضابط مساحة فلسطين، رجل الهندسة والدها منيب أمين زعرب، ووالدتها عزة قعوار، التي عرفت بالجدية في تربيتها لأبنائها، تقول نهى إن والدها كان مشتركا في العديد من سلاسل الكتب العربية والأجنبية، مثل سلسلة الكتب الشهرية المصرية المعروفة " اقرأ"، أما من السلاسل الأجنبية فقد كان مشتركا لسنوات طوال في المجلة ذائعة الصيت" ريدر دايجست"، وتذكر نهى أن والدها كان يجلب معه إلى بيته الترجمة العربية لهذه المجلة، وهي مجلة " المختار".بيت نهى، كما تقول كان يعج بالحياة والكتب، فقد كان كل من أفراد أسرتها، يتناول في معظم وقت فراغه كتابا قبل تناوله للطعام وبعده ويشرع في قراءته، "بيتنا كان عبارة عن مكتبة"، تقول وهي تبتسم. وتضيف مشيرة إلى بعض مما قرأته في طفولتها ويفاعتها، روايات تاريخ الإسلام للكاتب اللبناني مؤسس دار الهلال المصرية جورجي زيدان، كما قرأت سلسلة الكتب المشهورة "روايات الجيب" التي كانت تترجم أفضل الأعمال الأدبية الصادرة في اللغات الأجنبية في العالم ليطلع عليها قراء العربية، كل في بلاده. وكان يلفتها قصص " أرسين لوبين" للكاتب الفرنسي ذائع الصيت موريس لبلان، لما تضمنته هذه القصص من مغامرات تشعل نار الخيال.
الكتب التي قرأتها نهى في تلك الفترة عديدة ومتنوعة، فقد كانت القراءة هي إمكانيتها الأساسية للاستفادة من التجارب الإنسانية، كونها ولدت في بيت لا يخلو من محافظة، كانت في الماضي تتسبب لها في بعض من إزعاج، غير أنها باتت فيما تلا من وقت مصدرا للراحة، "لقد ربيت أبنائي على مثل تلك الأخلاق التي تربيت عليها وهم اليوم أناس ناجحون، ويرفعون الرأس" تؤكد نهى.هذه الدفيئة المتميزة التي نشأت فيها نهى جعلتها منذ السنوات الأولى لالتحاقها بالمدرسة، تسجل تفوقا من نوع ما، خاصة في لغتها العربية وفي غيرها من اللغات، "أحب اللغات" تقول وتضيف، إن والدها كان يتواصل مع أبناء أسرته أحيانا باللغة الانجليزية ما عزز معرفتهم لهذه اللغة. في بقية المواضيع الدراسية سجلت نهى تفوقا، بيد أنها لا تبالغ في تقييمها لذاتها في هذه المواضيع.
نهى تعتز بأنها امتازت بين أقرانها الطلاب في كتابتها لمواضيع الإنشاء، وهي تعتبر هذه المواضيع بداياتها الأولى في الكتابة، وقد برزت في كتابة مواضيع الإنشاء، إبان دراستها الابتدائية في مدرسة الست وسيلة، والثانوية في الأمريكان- المعمدانية، وهي تذكر من معلمي العربية في هذه المدرسة الأخيرة المرحوم فريد وجدي الطبري، والقاضي المتقاعد حاليا خليل عبود، طال عمره. في هذه المدرسة أطلـِقَ عليها لقب" خطيبة المدرسة"، لما اتصفت به من ذلاقة في القول. نهى حصلت فيما بعد، بالمراسلة، على الشهادة العامة في اللغات من جامعة لندن، وهي حاصلة أيضا على اللقب الأول" بكالوريوس" في علم اللاهوت، وهي ناشطة اجتماعية وفعالة في العديد من الاتحادات الثقافية العربية والأجنبية.
البدايات الحقيقية لها مع الكتابة الإبداعية كانت في أواخر دراستها الثانوية، حينها ابتدأت في محاولاتها الأولى للنشر، غير أنها لم تتجرا على النشر باسمها الصريح. بعد تخرجها من المدرسة الثانوية بسنوات شرعت بالنشر، لكن نشرها هذا تم باسم مستعار هو" بنت الناصرة"، في تلك الفترة، الستينيات تحديدا، نشرت في صحيفة "اليوم"، بتشجيع من الشاعرة الإعلامية سعاد قرمان والنقابية المعروفة نزهة قصاب، بسبب أنها لم تتجرأ على النشر في صحافة الحزب الشيوعي، ولم تشأ أن تغضب ذويها، وهي اليوم نادمة على ترددها هذا وتقول إنها خسرت قليلا من تاريخها الشخصي.
في عام 67، درست فن كتابة السيناريو على يد يهودي أمريكي، ضمن دورة تمت إقامتـُها في المركز الثقافي البلدي في مدينتها الناصرة، وكانت المرأة الوحيدة بين تسعة وثلاثين مثقفا، بينهم شقيق زوجها، بهجات، الشاعر جمال قعوار والشاعر الكاتب المسرحي ادمون شحادة والشاعر جورج جريس فرح. في دراستها هذه سجلت تفوقا ما غير أن "ظروفها الاجتماعية" حالت مرة أخرى بينها وبين التقدم في هذا المجال أيضا، رغم أنها سجلت تفوقا ملفتا فيه.
|
درست فن كتابة السيناريو على يد يهودي أمريكي |
أصدرت نهى كتابها الأول " هتاف الكبرياء" وهو عبارة عن ديوان شعري عام 1985، ولم تـُثبت عليه سنة إصدارها له وهو ما لامها عليه البعض، ليس لأنها لا تعرف انه ينبغي عليها تثبيت سنة إصدارها له، كما اعتقد البعض، وإنما لأنها كتبت ما تضمنه من أشعار ابتداء من الستينيات الأولى، "هذا الكتاب بلا تاريخ ميلاد، ولا اعرف تاريخ ميلاده" قالت وأضافت، بما أنني لا اعرف تاريخ كتابتي له كان من الأفضل ألا الفت إلى سنة إصداري له. بعد عشرة أعوام من إصدارها لكتابها الأول أصدرت كتابين احدهما مجموعة شعرية حملت عنوان" وهج اليراع" والثاني مسرحية شعرية حملت عنوان " شجرة المجد". بعد خمسة أعوام من إصدارها لهذين الكتابين، في عام 2000 تحديدا، أصدرت نهى كتابا عن تاريخ مدينتها الناصرة، في مجلد ضخم، بعد أن قضت خمسة عشر عاما في الاستعداد لتأليفه وكتابته.في السنوات الأخيرة، بعد حصولها مع آخرين على جائزة الإبداع الأدبية عام 2002، كرست جانبا من وقتها للكتابة للأطفال، فأصدرت كتابين احدهما هو" النسر الأسود" زينته رسومات لابنتها الفنانة مورة قعوار، ونشرته على نفقتها الخاصة، والآخر" الشارع الغاضب" وهو من إصدار مركز أدب الأطفال في الناصرة وصدر عام 2007، حاليا يوجد لديها اثنا عشر كتابا موجهة للأطفال، وهي لا تعرف كيف تنشرها، فهي لا تعرف في الكثير في "فن التسويق"، وتقول انه من حقها ومن حق أقرانها الكتاب والشعراء أن يحظوا ولو بالتفاتة من المؤسسة الثقافية في الناصرة والبلاد عامة، "لا يجوز أن تكتب ولا تجد من ينشر لك وإذا صادف ووجدت الناشر، يترتب عليك أن تعد نفسك لان " يمص دمك"، ويأخذ كل ما تستحق أخذه، بعد أن يقذف إليك بعشرين نسخة من كتابك، لا تعرف لمن تقدمها ممن تنتخبهم من الأصدقاء كونهم أكثر من عشرين صديقا في كل الأحوال.
المشاريع الأدبية وفيرة، أنا مثلا، وضعت كتابا، عام 1990و91 عن الحرب القاصمة التي شنتها الولايات المتحدة يرافقها ثلاثة وثلاثون دولة، على القطر العربي العراقي، ضمنته ذكرياتي عن الحرب ومواقفي من العديد من مجرياتها، إلا أنني لا اعرف كيف يمكنني نشر هذا الكتاب وغيره.في البداية كانت نهى تعاني من محاصرة المجتمع لها، وهو ما تسبب بفرض الحصار عليها ومنعها من ممارسة هوايتها في عالم الكتابة، أما هذه الفترة، بعد أن انتهى هذا الحصار، أو تراجع كثيرا كما تقول، جراء التطورات والمستجدات الاجتماعية في البلاد، فقد ابتدأت أواجه إهمال المؤسسة الثقافية، في الحالتين " أكلتها سخنة" تؤكد كاتبتنا وهي تنظر إلى البعيد.
تحياتي